المناوي

14

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

الباب الثاني في الردّ على من أنكر كرامات الأولياء بالأدلّة العقليّة المؤيّدة بالبراهين النّقليّة اعلم أنّه لا ينبغي للعاقل أن يستنكر ما يقع للأولياء من الاطّلاع على بعض المغيّبات ، والإخبار بها ، فإنّ نفس الكامل قد تنتقش بما في عالم الملكوت بحسب قوّة الاستعداد ، وزوال الحائل ، وحينئذ فلا يستنكر أن يكون بعض الغيب منتقشا فيها من عالمه ، وإذا قلّت الشّواغل الحسيّة كان للنّفس فرص تجدها فجأة ، فتخلص عن شغل التخيل إلى جانب القدس ، فينتقش فيها نقش من الغيب ، فإذا قلّت الشواغل الحسية وجدت النفس فرصة اتصال بالعالم القدسيّ بغتة يخلص فيها عن استعمال الصّور المتخيّلة فيرتسم فيها شيء من الغيب على وجه كلّيّ ، وينادي أثره إلى التخيل فيصوره حسبما التّخيل في الحسّ المشترك . قال الإمام الرّازيّ رضي اللّه عنه : كما أنّ النّفس تتّصل عند القوم بالعقول المجرّدة ، فيعقل من هناك أمورا ثمّ تركّب المتخيّلة صورا مناسبة لها ، ثم ترتسم تلك الصّور في الحسّ ، فلا مانع من أن يحصل مثل ذلك في اليقظة إذا كانت النّفس قويّة الاستعداد وافية بتدبير الحالتين ، واسعة لهما ، حتّى إنّ الإنسان حال اليقظة تتّصل نفسه بالعقول ، فيدرك من هناك أمورا ثمّ تركّب المتخيّلة منها صورا مناسبة لتلك المعقولات ، ثمّ تنحدر تلك الصّور إلى لوح الحسّ المشترك ، فتصير الصّور محسوسة في الخارج ، فيحصل حينئذ مشاهدة ، وسماع أصوات ، وخطاب كلام ، وأنوار ، وعلوم ، وأسرار ، وإن لم يكن لشيء من ذلك وجود في الخارج .